الشنقيطي
340
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ الأنعام : 95 - 96 ] . وكلها آيات دالة على قدرة اللّه ، وجاء في حديث عائشة رضي اللّه عنها في بدء الوحي ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم ما كان يرى رؤيا ، إلا جاءت كفلق الصبح . والفلق : بمعنى الصبح معروف في كلام العرب . وعليه قول الشاعر : يا ليلة لم أنمها بت مرتقبا * أرعى النجوم إلى أن قدر الفلق وقول الآخر مثله وفيه : إلى أن نور الفلق بدل قدر ، والواقع أنه في قوة الإقسام برب الكون كله يتفلق بعضه عن بعض . قوله تعالى : مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ( 2 ) [ 2 ] . وهذا عام وهو على عمومه ، حتى قال الحسن : إن إبليس وجهنم مما خلق . وللمعتزلة في هذه الآية كلام حول خلق أفعال العباد ، وأن اللّه لا يخلق الشر ، وقالوا : كيف يخلقه ويقدره ، ثم يأمر بالاستعاذة به سبحانه مما خلقه وقدره ؟ وأجيب من أهل السنة : بأنه لا مانع من ذلك ، كما في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « وأعوذ بك منك » « 1 » . وقد قال تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرعد : 16 ] . وتقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، مناقشة هذه المسألة في مناظرة الأسفرائيني مع الجبائي في القدر . ومعلوم أن المخلوق لا يتأتى منه شيء قط إلا بمشيئة الخالق ، وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه . قوله تعالى : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) [ 3 ] . الغاسق : قيل الليل ، لقوله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [ الإسراء : 78 ] .
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة مسلم في الصلاة حديث 222 .